القرطبي
275
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وهذا قول حسن ، رواه عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله " أتجعل فيها من يفسد فيها " قال : كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فلذلك قالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها " . وفي الكلام حذف على مذهبه ، والمعنى إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا ويفعل كذا ، فقالوا : أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره ؟ والقول الأول أيضا حسن جدا ، لان فيه استخراج العلم واستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء ، وما بين القولين حسن ، فتأمله . وقد قيل : إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله : ( كيف تركتم عبادي ) - على ما ثبت في صحيح مسلم وغيره - إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال : أتجعل فيها ، وإظهار لما سبق في معلومه إذ قال لهم : " إني أعلم ما لا تعلمون " . قوله : " من يفسد فيها " " من " في موضع نصب على المفعول بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه " فيها " . " يفسد " على اللفظ ، ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى . وفي التنزيل : " ومنهم من يستمع إليك " [ الانعام : 25 ] على اللفظ ، " ومنهم من يستمعون " على المعنى . ( ويسفك ) عطف عليه ، ويجوز فيه الوجهان . وروى أسيد عن الأعرج أنه قرأ : " ويسفك الدماء " بالنصب ، يجعله جواب الاستفهام بالواو كما قال ( 1 ) : ألم أك جاركم وتكون بيني * وبينكم المودة والإخاء والسفك : الصب . سفكت الدم أسفكه سفكا : صببته ، وكذلك الدمع ، حكاه ابن فارس والجوهري . والسفاك : السفاح ، وهو القادر على الكلام . قال المهدوي : ولا يستعمل السفك إلا في الدم ، وقد يستعمل في نثر الكلام يقال سفك الكلام إذا نثره . وواحد الدماء دم ، محذوف اللام . وقيل : أصله دمي . وقيل : دمي ، ولا يكون اسم على حرفين إلا وقد حذف منه ، والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الأصل ، قال الشاعر : فلو أنا على حجر ذبحنا * جرى الدميان بالخبر اليقين
--> ( 1 ) القائل هو الحطيئة .